عبد الملك الخركوشي النيسابوري

298

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

امرؤ من أهل خراسان ، قال : من أي بلدة ؟ قال : من مرو . قال : أراك تتولّى شيئا من أمور المسلمين ، فإذا وليت فاعدل ، فولى القضاء والحكومة . وذكر أن الفرغاني صاحب أبى عثمان الحيري كان يخرج كل سنة حاجا ، فقيل له : هل تزور أبا عثمان الحيري إذا دخلت نيسابور ؟ فقال : لا ، فقال له الرجل : زره ، فإنه فاضل فدخل عليه سلم عليه ، فقال الفرغاني في نفسه : هذا عجب رجل عالم لم يرد السلام وهو الفرض ، فقال أبو عثمان لأصحابه : مثل هذا يخرج ويقول : أحج ويترك أمّه ولا يبرها أو كما قال ، قال : فرجع الفرغاني إلى فرغانة ونوى أن لا يسافر ما دامت أمّه باقية ، فلما ماتت قصد أبا عثمان ، فلما دخل مجلسه استقبله وأجلسه ، فسأل الفرغاني أبا عثمان سياسة دابته فخدمه إلى أن مات . وروى أن محمدا الرّومى دخل داره في وقت خروج الحاج ، وقال لأهله : هل معكم شئ ؟ فأخرجت امرأته خريقة فيها درهمان وثلثان ، فحمل كيسا له وخشبة ، فقالت : إلى أين ؟ فقال : إلى ظاهر البلد ، فلما خرج قال : لا يجب أن أخرج دون أن ألقى الأستاذ ، فدخل على أبى عثمان ، فتفرّس فيه أنه مسافر فقال : أيش معك ؟ فأخرج الخرقة فرمى بها إليه ، فأمر حتى اشترى به زبيبا وجوزا ، ثم أمر بصبه بين يدي أصحابه ، قال : كلوا ، فأكلوا من ذلك حتى إذا فرغوا من الأكل قام ، فقال : إن خرجت كيف أمضى ، ولا شئ معي ، فإن دخلت الدار ، قيل لي : بهذا المقدار كنت تريد الحج ، فقال : بل أخرج منزلا من البلدة ، فخرج فصار إلى بيكند ، وقد أعيا فاستلقى على قفاه على باب خان ، فإذا بنفسين يشتريان الحوائج ، ثم دخلا الخان ، ثم أقبل شاب حسن الوجه فوقف عليه وسلّم ، ثم قال : يا شيخ هل لك أن تنوى الحجّ ، فإنك إن خرجت عدّلتك بنفسي ، وهذا الشيخ عديلى أعدله بإنسان آخر ، فقال محمد الرومي : قد نويت ، فخرج به إلى الحج فحجّ ورجعا إلى نيسابور ، فنزلا خان حنظلة بباب معمر ، ثم أخرج ممّا حمل من البلدان من تلك العروض ودعا بحمّال فدفعها إليه ، وصرة فيها مائة وخمسون درهما ، وقال : يا شيخ اعذرنى في تقصيري مما يجب علىّ في حقّك ، ولولا أنك ذكرت أن لك عيالا ها هنا لحملتك معي إلى بلادي وودعه ، فلمّا بلغ محمد الرّومى قرب الدار قال للحمال : قف حتّى ألقى الأستاذ ، فدخل سكة أبى عثمان وهو يؤذن ، فلمّا فرغ من أذانه ، قال له بالفارسيّة : ثه يك بوذ كما ترا أذان جهان دانك برها نيدم ، معناه ما كان جيّدا خلصناك من أربعة دوانيق ؟ ! ، ثم لحق محمد الرومي بداره وعياله سالما .